بهاء الدين الجندي اليمني

267

السلوك في طبقات العلماء والملوك

وقياض « 1 » وما بلد من هذه البلاد إلّا وله فيها أصحاب عرفوا بالأخذ عنه . ومن الجند أبو بكر بن محمد اليافعي وغيره ومن ناحيتها عبد اللّه بن أحمد الزبراني ويحيى بن أبي الخير من سير ، ومسلم بن أبي بكر من سهفنة وعبد اللّه بن عمير العريقي ويحيى بن محمد من الملحمة صاحب القصيدة المذكورة أولا وأبو حامد بن أبي بكر الأصبحي من الذنبتين ، ولما صار الفقيه بالجند بالغ في لزوم طريق الخمول بحيث كان يدرس في بيته في الغالب ثم متى صلّى في الجامع صلّى بمؤخره ، وكان متورعا متنزّها عن صحبة الملوك وخلطة الظلمة وقبول جوائزهم بحيث أجمع أهل زمانه على نزاهة عرضه وجودة علمه وشدة ورعه أجمع على فضله المؤالف والمخالف ، وشهد له بالفضل كل عارف ، وكان مع ذلك ذا عبادة منها أنه كان يخرج في كل ليلة من منزله بعد هدوء الليل واشتغال الناس بحلاوة النوم ، فذكروا أن بعض من بات بالمسجد رأى الفقيه قد دخل المسجد وجعله بباله « 2 » فجعل يصلي ما شاء اللّه في المحراب ثم خرج من المسجد وتبعه الرجل فلما صار على الباب أعني باب المدينة انفتح له فخرج الفقيه وتبعه الرجل مسرعا فسار الفقيه حتى صار موضع قبره فأحرم وجعل يتركع حتى صعد المؤذن المأذنة فأخف صلاته وعاد المدينة كما خرج وانفتح له بابها ، ثم باب المسجد ، فلما صلّى الصبح وقعد يذكر اللّه والرجل في كل ذلك يراقبه من حيث لا يشعر ثم دنا منه وقبّل يده وأخبره بما رآه من الأمر فقال : إن أحببت الصحبة فلا تخبر أحدا ما دمنا في الحياة فلم يخبر بذلك إلا بعد وفاة الإمام رحمه اللّه ، وكان يخبر بزيادة غير ما ذكرنا لكن اقتصرنا على ما تكرر نقله وشهر خبره . قال ابن سمرة : أخبرني الشيخ منصور بن أحمد أبو تراب العودري أنه دخل مدينة الجند يريد يسأل الفقيه زيد بن عبد اللّه عن مسألة فرضية قال : فوجدت الفقيه يقرئ أصحابه بدهليز بيته وكان صغير الخلق فلما رأيته هبته هيبة عظيمة واستكبرت مقامه فغلطت في سؤالي وتلجلجت في كلامي فآنسني الفقيه بكلامه ورد عليّ اللفظ حتى أنست وأقمت سؤالي فحين عرفه جوّب لي أبين جواب ثم لم يزل الفقيه على الحال المرضي دينا وورعا حتى توفي بأحد الربيعين الكائنين في سنة أربع عشرة وقيل خمس عشرة وخمسمائة فقبر بالمقبرة الغربية من مدينة الجند ، وتربته هنالك مشهورة لم أر في اليمن تربة مثلها يتجدد معرفتها ويكثر زائرها . ولقد يجد الزائر في نفسه كأن

--> ( 1 ) قياض بضم القاف آخره ضاد معجمة ، قد تقدم ذكره ، وأنه شمال تعز ومن أعمالها . ( 2 ) كذا في « د » وفي « ب » من باله .